فخر الدين الرازي
244
القضاء والقدر
يكن مستحقا للعبادة . الثاني : إنا بينا : أن العقل لا يدل على حصول الاستحقاق . لأنه لا يتفاوت حال المعبود بسبب هذه العبادة - وهي شاقة على العابد - فوجب أن لا يحكم العقل بوجوبه . إذا ثبت هذا ، فنقول : الإله هو القادر على الاختراع « 1 » . والدليل عليه : أنه تعالى إنما ظهر الامتياز بينه وبين سائر الذوات بصفته الخلاقية . فقال : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ « 2 » ؟ ولما كان المذكور في معرض الامتياز هو هذه الصفة ، علمنا : أن معنى الإلهية ليس إلا الخلاقية . فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه ، لكان خالقا لها ، وحينئذ يبطل الفرق بين الإله ، وبين العبد في أخص أوصاف الإلهية . فكان قولنا بِسْمِ اللَّهِ دالا على أن العبد غير موجد من هذا الوجه . الفصل الثالث في المباحث الواقعة في قولنا : الرحمن الرحيم قالت المعتزلة : لو كان الكفر والفسق كله من اللّه ، لا من العبد ، لكان المغضوب عليه من الخلق ، أكثر من المرحوم . لأن أهل النار أكثر من أهل الجنة . ومن كان عقابه وضرره أكثر من رحمته وإحسانه ، لم يكن رحمانا . لأن الرحمن هو الكامل في الرحمة ، والرحيم من صفة الرحمة بشرط أن لا يحصل نقيضه . قالوا : فأما على مذهبنا فإنه يتم لنا القول بأنه الرحمن الرحيم . لأنه تعالى خلق الخلق كلهم للنفع والرحمة ، وأما الذين كفروا وفسقوا فمن جهة أنفسهم . ونقول في ذلك كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ، حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 3 » وقال : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ . إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ « 4 » وقال : قُلْ : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي . لَوْ لا
--> ( 1 ) ذكر ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري أنه « اختلف وجه حكايته - أي أبي الحسن - عن أصحابنا في معنى الإله في كتاب التفسير . فقال : منهم من قال إن معناه أنه الغالب الذي ليس بمغلوب والقاهر الذي ليس بمقهور الذي لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يريد كون الشيء إلا كان كما أراد . وحكى عن بعضهم أن معنى وصفنا له بأنه إله أنه قوي . واختار من ذلك أن معنى وصفنا له بأنه إله أن له الإلهية وفسّر الإلهية بأنها هي قدرته على اختراع الجواهر والأعراض وذكر أن ذلك أسد الأقاويل المقولة في معنى الإله » ( ص 47 ) ثم صحح المؤلف كلام الضبي في أن مذهب أبي الحسن في تفسير الإله أنه هو المستحق للعبادة وقال عنه إنه « خطأ فاحش عليه لأنه كان يأبى قول المعتزلة أن معنى الإله أنه مستحق للعبادة » ( ص 328 ) . والإله - في معاجم اللغة المعبود . أنظر لسان العرب 1 / 114 وما بعدها ) وآيات القرآن كثير منها يقرن الألوهية بالعبودية فلتراجع . . ( 2 ) سورة النحل الآية 17 . ( 3 ) سورة الرعد الآية 11 . ( 4 ) سورة النساء الآية 147 .